القائمة الرئيسية

الصفحات

الصناعة في القرآن والسنة




                              دراسات


يهدف الاقتصاد عموماً  إلي إشباع الحاجات البشرية ، وتحقيق رغبة الإنسان في الحصول على ما يلزمه من سلع ، وخدمات  ، إلا أن الإسلام  يشترط أن يوجه الإشباع  نحو الحاجات النافعة ، وإذا كان جوهر علم الاقتصاد لا يتطلب أن تكون  الحاجة الإنسانية متفقة مع القاموس الأخلاقي ،  أو القانوني للجماعة ، مثل شرب الخمر ، والمخدرات ، وذلك على اعتبار أن الحاجة من الزاوية الاقتصادية حقيقة محايدة .
 توجد مجموعتان لإشباع الحاجات من الأموال الاقتصادية ، المجموعة الأولي لا يتدخل الإنسان في توفيرها ، وتوافرت له من قبل المولى عز وجل مباشرة منذ بدء الخليقة ، وإن كانت نادرة لكنها صالحة ، وقابلة لاستخدامات متعددة ومتنوعة حسب سعي الإنسان ، وقدح  الفكر في البحث ، والابتكار، والسعي  ، فكل ما في الأرض من خيرات محلاً لكدح الإنسان في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاِقيهِ ( سورة الانشقاق : آية 6 ).

وتعد المجموعة الثانية من الأموال غير المباشرة هي كل ما يتدخل الإنسان فيه بجهد ذهني ، وجسماني منه في توفيرها ، وهذه هي أغلب الأموال الاقتصادية الصالحة للإشباع الإنساني ، وتتجلي الحقيقة في  أن الصناعة من المجموعة الثانية من الأموال غير المباشرة ، والتي تتطلب مجهوداً إنسانياً اعتماداً على الثروات التي تظهر في الأرض من خامات زراعية ، أو صناعية ، أو ثروات سمكية في البحار ، أو معادن في جوف الأرض ، وهذا هو دور الصناعة في تحويل تلك المواد و الخامات إلى سلع تفيد في سد الحاجات البشرية المتنوعة .

الصناعة في القرآن والسنة

توجد أشارات ضمنية بالقرآن الكريم  حول  أهمية الصناعة وهناك تأصيل لفكرة الصناعة بصورة عامة داخل نصوص القرآن الكريم ، ومن بين هذه الصناعات المشار إليها .

1-   الصناعات النسجية : وذلك في قوله تعالى : " يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ " ( سورة الأعراف الآية 26) 
فنبي الله إدريس كان خياطاً وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكانت الثياب من قبل ذلك من الجلد وأيضاً كان نبي الله لقمان خياطاً.

 2- الصناعات الغذائية: تشير آيات القرآن الكريم في مواضع عديدة إلى الخامات الأساسية للصناعات الغذائية وذلك في قوله تعالى : " وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ"  ﴿ سورة الطور آية ٢٢﴾ وقوله أيضاً : " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ  * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ " (سورة ياسين من آية 71إلي 73).
 
توضح تلك الآيات الكريمات أن الله وفر للإنسان اللحوم كمواد خام مباشرة للاستهلاك أو للتصنيع الغذائي وهو ما نراه اليوم في شكل لحوم مصنعة وألبان معبأة ، وهناك الكثير من الآيات الكريمة التي تشير  إلي  الخامات الزراعية  التي  تستخدم في صناعة العصائر والمشروبات القائمة على الفواكه  .
وجاء في الحديث الشريف عَنِ الْمِقدَامِ رَضِي اللَّه عَنْه في صحيح البخاري  قوله صلى الله عليه وسلم : " فما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده " ، ويدلل هذا الحديث على مدى أهمية استقلال الصناعات الوطنية ، فالأمة التي لا تنتج  ، أو  لا تصنع غذاءها من كد يدها ، هي أمة منقوصة الإرادة  ، وإن كان الحديث يحث على ثقافة العمل اليدوي إلا أنه يحمل رسائل  أخرى تدعو إلى الاستقلال والاعتماد على الذات في إنتاج وصناعة المواد الغذائية .

3-  الصناعات الدوائية: أشار القرآن الكريم إلى العسل  كمادة علاجية يتحقق بها الشفاء فقال : "  وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَاب مُخْتَلِف أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ"  (سورة النحل 68-69 ) ، وتلك دعوة صريحة على استخدام عسل النحل في الشفاء وهو ما تقوم عليه بعض صناعات الأدوية والتي تقدم غذاء ملكات النحل في كبسولات ، وقول رسوله (صلعم)  : " تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع معه شفاء إلا لهرم "  (حديث رواه بن ماجة ).

4- صناعة الغوص واستخراج اللؤلؤ والمرجان والسفن: ويقول تعالى : " وَمِنْ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ " (سورة الأنبياء 82 )، وقوله تعالي : " مَرَج البحريْن يلتقيان، بينهما برْزخٌ لا يبغِيان، فبأيِّ آلاء ربكما تكذّبان، يخرج منهما اللؤلؤ والمَرْجان "  (سورة الرحمن 19-22 )

وتلك الآيات الكريمات تشير إلى أهمية صناعة الغوص ، وأجهزته ، ومعداته  ، وهو ما تحقق في العصر الحديث ، أيضاً تشير إلى استخراج اللؤلؤ ، والمرجان وما يقوم عليهما من صناعة الحلي . وقوله تعالى : " وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، إِنَّهُم مُغْرَقُونَ " (هود :37)  وقام نوح عليه السلام بصناعة سفينة تسع كل صنف من الحيوانات زوجين أثنين مع أصحابه وأتباعه.

5- الصناعات المدنية والعسكرية: في قوله تعالى :" وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُُلُ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ " (سورة الحديد 25 ) ، وقوله : " وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ،  أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) " سورة سبأ 10-11)

وذكر الحديد في الآيتين السابقتين يتسق مع الفائدة القصوى للحديد ، فهو يستخدم في الصناعات المدنية مثل السيارات ، وحديد التسليح ، وقضبان السكك الحديدية ، وفي المجال العسكري يستخدم في صناعة الأسلحة الفردية ،  ومدافع الهاون ، والدبابات ، والعربات المصفحة ، والبارجات الحربية ، وأخبرنا المولى عز وجل بأنه منَ على عبده داوود وعلمه مبادئ الصناعة العسكرية ، فألان له الحديد فصنع منه الدروع ، التي تقي المحارب من الأخطار،  وكان أول من سردها  وحلقها ، وكان إذا أتم صنع درع باعها ، وتصدق بثلثها ، واشترى بثلثها ما يكفيه ،وعياله  ، وأمسك عن الثلث يتصدق به يوماً بيوم .

6-   صناعة الطاقة: ازدهرت صناعة الطاقة على يد رسول الله (صلعم) ، فقد روى سعيد بن زبان عن أبيه عن جده أبي هند ، قال : حمل تميم – يعني الداري – من  الشام إلى المدينة قناديل وزيتاً ومقطاً ،  فلما انتهى إلى المدينة ، وافق ذلك ليلة جمعة .

 فأمر غلامًا يقال له : أبو البزاد ، فقام فنشط المقط (الحبال ) وعلق القناديل وصب فيها الماء والزيت وجعل الفتيل ، فلما غربت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها وخرج رسول الله إلى المسجد فإذا هو بها  تزهو.
 فقال : من فعل هذا ؟
 فقالوا : تميم الداري يا رسول الله .
 فقال : نورت الإسلام ، نور الله عليك في الدنيا ،والآخرة ، أما إنه لو كانت لي أبنة لزوجتها ، فكانت تلك مكافأة عظيمة لبطل من أبطال الإنتاج ما حظي بها أحد كما حظي بها تميم "
ثم إن نوفل بن الحارث لما سمع ما قاله النبي
قال : لي أبنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل ، فأفعل بها ما أردت فأنكحه إياها ، وكان زواجاً فلألأت لياليه بالنور .
وهذا الحديث الشريف يدلل على أهمية الصناعة ، وقدر الصناع المخلصين للأمة ، وأيضاً هناك حديث آخر يستدل به على أهمية العمل اليدوي ، وقيمة المشروعات الصغيرة ، ولكنه يشير إلى البحث عن مصادر الطاقة
عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عطاء
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أما في بيتك شيء ؟
قال بلى ، حلس نلبس بعضه ، ونبسط بعضه ، وقعب نشرب فيه .
فقال :  ائتني بهما  ، فأخذهما الرسول صلى الله عليه وسلم بيده ، وقال مَن يشتري مني هذين ؟ قال رجل : أنا أخذهما بدرهم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يزيد على درهم ؟ مرتين أو ثلاث .
فقال رجل : أنا آخذهما بدرهمين ، فأعطاهما إياه ، فأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري.
 وقال له : اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك ،واشتر بالآخر قدوماً فائتني  به ،  فأتاه به ، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده.
 ثم قال : أذهب فاحتطب وبع ، ولا أرينك خمسة عشر يوماً ، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم ، فاشترى ببعضها ثوباً ، وببعضها طعاماً .
 فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا خير لك من أن تجيء المسألة نقطة سوداء في وجهك يوم القيامة .
 إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة : لذي فقر مدقع ، أو لذي غرم مفظع ، أو لذي دم موجع "
لقد كان الحطب وقتها مصدراً للطاقة ، وصناعة طهي الطعام ، وكل الصناعات اليدوية مثل الحدادة ، وصناعة السيوف ، وغيرها .

7- الصناعة والبرمجيات: ظهر كشف علمي جديد، يؤكد أن القرآن الكريم نزل من عند الله تعالي ويحمل شفرة رقمية  ، ويستحيل معها التعرض لآيات القرآن الكريم بأي تأويل أو تحريف، وتم فك الشفرات الربانية للقرآن الكريم، التي تركزت في رقم ١٩ من خلال قوله تعالي : عليها تسعة عشر(  30 :المدثر). وبقراءة  الآية القائلة :  ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون (31 : المدثر )  وجد أن  مجموع حروفها  ٥٧ وأنها تقبل القسمة علي رقم 19.

 ثم بحث في ترتيب نزول سورة  المدثر فوجد أنها  الرابعة، ثم السورة التالية  الفاتحة، التي وجهنا المولي عز وجل لأن نجعلها فهرس القرآن لقوله تعالي ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ، وتم  جمع حروف القرآن ، والآيات الشفع والوتر، فظهرت أن الأرقام تقبل القسمة علي ١٩، وإذا أضيف لها مجموع حروف  بسم الله الرحمن الرحيم  ٣ + ٤ + ٦ + 6،  تقبل القسمة أيضاً علي ١٩ .

وعن طريق هذه الشفرات الربانية، تم استخدامها في كشف التحريف في الكتب السماوية الأخرى، وبتطبيق ذلك علي ٢٠٠ صفحة ، الأولي من التوراة فثبت حدوث تحريف في النص، وحينما حذفت كلمة إسحاق  ووضعنا بدلاً منها  إسماعيل ، فتم ضبط الشفرة ومطابقتها للنص وهذا يؤكد وجود  نموذج رياضي معجز بالقرآن الكريم.

من خصائص الصناعة في الإسلام

1-   الجودة: لقد سبق الإسلام كل العلوم اللاحقة عليه في وضع أساس الجودة ومعايير الصلاحية فقال رسول الله" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه .( الطبراني في الكبير )  وإتقان الصناعة يسمح للمنتج بالوفاء بحاجة البشر ويمكنه من غزو الأسواق ورواج الصناعة

2-  المراقبة والمتابعة:  إن أفضل الصناعات هي التي تكون على عين صاحبها في كافة مراحل الإنتاج ، فعند غياب الرقابة يحدث الخلل وفي القرآن الكريم يقول تعالى لموسى : ولتصنع على عيني (سورة  طه آية  :309)
3-   الإنتاج المخطط:  سمة المسلم الالتزام بعهده ، ولكن بعض الصناع كثيراً ما يعصون الله في المماطلة بالمواعيد ، فيوقعون عقودًا لا يستطيعون الالتزام بها نتيجة عدم تخطيط الإنتاج ، وبيع سلع أكبر من طاقة الإنتاج سعياً وراء الأرباح  ، وهذا يخالف شرع الله كما جاء في قوله : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود  (سورة المائدة  آية 1  )  ونتيجة لهذا الجشع  ومخالفة شرع الله  يمتنع العملاء  عن التعامل مع هؤلاء وهو ما يؤدي إلى كساد صناعتهم .

4-   تحريم الاستغلال: يحرم الإسلام الاستغلال في شراء المواد الخام أو السلع  من المنتجين حتى تتحقق العدالة ، ويقول تعالى : ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ     ( الأعراف : 85 )

كذلك يحرم الإسلام استغلال القوى العاملة  ، و شروط العمل المجحفة  التي لا تحقق عدالة الأجر ومماطلة العمال  في الحصول على حقوقهم وفي هذا الشأن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه  (رواه بن ماجة )

وفي حديث آخر : قال الله : ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة ، رجل أعطى بي  ثم غدر ، ورجل باع حراً فأكل بثمنه  ، ورجل استأجر أجيراً فاستولى منه ولم يعط أجره  (رواه البخاري )
عدم الاستغلال وعدالة الأجر  تحققان رواج الصناعة ، فتخلف المسلمين عن تحقيق النهضة الصناعية هو البعد عن منهج الحق في الاقتصاد الصناعي ، فكما أن تلك المبادئ هى نهج سماوي ،  إلا أن من يتبعها سوف ينجح في صناعته ، حتى وإن كان غير مسلم  ، فهذه القواعد هى أسس النجاح لأي صناعة بعيداً عن الاحتكار أو الغش.

يتضح من ذلك العرض أن الالتزام بمعايير الجودة والعدالة والأمانة هو طريق النجاح لأي صناعة وهو ما حدث بالفعل في كافة العصور السابقة للأمة الإسلامية أبان فترات النهضة ، وهو أيضاً ما سيحقق النمو الصناعي بالمدن الجديدة في مصر بما يلبي احتياجات المجتمع من السلع النافعة والمفيدة للإنسان.







تعليقات

التنقل السريع